محمد جواد مغنية

187

في ظلال نهج البلاغة

اشتدت وطأته ( ونستعينه على هذه النفوس البطاء إلخ ) . . النفس تتثاقل إلا عن ملذاتها ، وهو تعالى أملك بها منا ، وعلينا أن نستعين به ليكف عنا فجورها وشقاها ( ونستعينه مما أحاط به علمه ، وأحصاه كتابه ) من السيئات والهفوات ( علم غير قاصر ) * ( « لا يَعْزُبُ عَنْه مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ ولا فِي الأَرْضِ ) * - 3 سبأ » ( وكتاب غير مغادر ) * ( صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ) * - 49 الكهف . ( ونؤمن به إلخ ) . . نؤمن باللَّه واليوم الآخر وبحسابه وجزائه ايمان من رأى بالعين ، ولمس باليد ، ولا يبلغ من العلم باللَّه هذا المدى إلا من أدرك آياته في خلقه ، وعرف خصائص الكون في نظامه وقوانينه ( شهادتين ) : الأولى للَّه بالوحدانية ، والثانية لمحمد بالرسالة ( تصعدان القول ، وترفعان العمل ) . يشير إلى قوله تعالى : * ( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّه الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْه ) * - 10 فاطر . وليس من شك ان الشهادتين أطيب الكلام ، وان العمل بدون كلمة الاخلاص ناقص أيا كان نوعه ( لا يخف ميزان إلخ ) . . إن كلمة الاخلاص تثقل الميزان ، ولكن بشرطها ، وهو العمل ، والدليل قوله تعالى : * ( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) * - 3 الصف . وبكلمة : ان كلا من العمل النافع والشهادتين جزء متمم للآخر . ( أوصيكم بتقوى اللَّه إلخ ) . . معنى التقوى في جوهرها الكف عن محارم اللَّه ، وبخاصة عن أذى من كف عن الناس أذاه ، وثمرة هذه التقوى النجاة والسلامة دنيا وآخرة ، وقد دعا إليها الأنبياء والأئمة الأطهار ، وأسمعوها للأجيال ، والسعيد من استمع وأطاع ( ان تقوى اللَّه حمت أولياء اللَّه محارمه ، وألزمت قلوبهم مخافته ) . من كان في قلبه شيء من تقوى اللَّه يكف عن محارمه لا محالة لأن هذا هو معنى التقوى بالذات كما أشرنا ( حتى سهرت لياليهم ، واظمأت هواجرهم ) . لا يفارقهم الخوف من اللَّه في ليل ولا نهار . وقيل : هذا كناية عن صلاتهم ليلا ، وصومهم نهارا ، والمعنى الأول أكمل وأعم ( فأخذوا الراحة بالنصب ) تعبوا قليلا ، واستراحوا طويلا ( والرضي بالظمأ ) . حاولت نفوسهم أن ترد الحرام ، فكفوها عنه ، فكان لها عند اللَّه ما تشتهي وتريد . ( واستقربوا الأجل ، فبادروا العمل ، وكذبوا الأمل فلاحظوا الأجل ) . كلنا يعلم أن الموت حتم لا مفر منه ، ولكن لا تدري نفس متى وأين تموت